آية التصنيف

آية التصنيف
ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير
قال ابن كثير 3\556:
يقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المصدق لما بين يديه من الكتب الذين اصطفينا من عبادنا وهم هذه الأمة ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع فقال تعالى: “فمنهم ظالم لنفسه” وهو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات “ومنهم مقتصد” هو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات “ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله” وهو الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: “ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا” قال هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله فظالمهم يغفر له ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب وقال ابن القاسم الطبراني حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح وعبدالرحمن بن معاوية العتبي قالا حدثنا أبو الطاهر بن السرح حدثنا موسى بن عبدالرحمن الصنعاني حدثنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات يوم “شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي” قال ابن عباس رضي الله عنهما السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وكذا روي عن غير واحد من السلف أن الظالم لنفسه من هذه الأمة من المصطفين على ما فيه من عوج وتقصير. وقال آخرون بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة ولا من المصطفين الوارثين للكتاب. قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق حدثنا ابن عيينة عن عمرو عن ابن عباس رضي الله عنهما “فمنهم ظالم لنفسه” قال هو الكافر وكذا روى عنه عكرمة وبه قال عكرمة أيضا فيما رواه ابن جرير وقال ابن أبي نجيع عن مجاهد فى قوله تعالى: “فمنهم ظالم لنفسه” قال هم أصحاب المشأمة وقال مالك عن زيد بن أسلم والحسن. وقتادة هو المنافق ثم قد قال ابن عباس والحسن وقتادة وهذه الأقسام الثلاثة كالأقسام الثلاثة المذكورة فى أول سورة الواقعة وآخرها والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة وهذا اختيار ابن جرير كما هو ظاهر الآية وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق يشد بعضها بعضا ونحن إن شاء الله تعالى نورد منها ما تيسر. “الحديث الأول” قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن الوليد بن العيزار أنه سمع رجلا من ثقيف يحدث عن رجل من كنانة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية “ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله” قال: “هؤلاء كلهم بمنزله واحدة وكلهم في الجنة” هذا حديث غريب من هذا الوجه وفي إسناده من لم يسم وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث شعبة به نحوه ومعنى قوله بمنزلة واحدة أي في أنهم من هذه الأمة وأنهم من أهل الجنة وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة “الحديث الثاني” قال الإمام أحمد حدثنا إسحاق بن عيسى حدثنا أنس بن عياض الليثي أبو حمزة عن موسى بن عقبة عن على بن عبدالله الأزدي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “قال الله تعالى “ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله” فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حسابا يسيرا وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته فهم الذين يقولون “الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب” “طريق أخرى” قال ابن أبي حاتم حدثنا أسيد بن عاصم ثنا الحسين بن حفص حدثنا سفيان عن الأعمش عن رجل عن أبي ثابت عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “ثم أورثنا الكتاب الذي اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه”- قال – فأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يصيبه الهم والحزن ثم يدخل الجنة” ورواه ابن جرير من حديث سفيان الثوري عن الأعمش قال ذكر أبو ثابت أنه دخل المسجد فجلس إلى جنب أبي الدرداء رضي الله عنه فقال اللهم آنس وحشتي وارحم غربتي ويسر لي جليسا صالحا فقال أبو الدرداء رضي الله عنه لئن كنت صادقا لأنا أسعد به منك سأحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أحدث به منذ سمعته منه ذكر هذه الآية “ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات” فأما السابق بالخيرات فيدخلها بغير حساب وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا وأما الظالم لنفسه فيصيبه فى ذلك المكان من الغم والحزن وذلك قوله تعالى: “وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن”. “الحديث الثالث” قال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا عبدالله بن محمد بن العباس حدثنا ابن مسعود أخبرنا سهل بن عبدربه الرازي حدثنا عمرو بن أبي قيس عن ابن أبي ليلى عن أخيه عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما “فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله” الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “كلهم من هذه الأمة” “الحديث الرابع” قال ابن أبي حاتم محمد بن عزيز حدثنا سلامة عن عقيل عن ابن شهاب عن عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال “أمتي ثلاثة أثلات: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة وثلث يمحصون ويكشفون ثم تأتي الملائكة فيقولون وجدناهم يقولون لا إله إلا الله وحده يقول الله تعالى صدقوا لا إله إلا أنا أدخلوهم الجنة بقولهم لا إله إلا الله وحده واحملوا خطاياهم على أهل النار وهي التي قال الله تعالى “وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم” وتصديقها في التي فيها ذكر الملائكة قال الله تعالى: “ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا” فجعلهم ثلاثة أفواج وهم أصناف كلهم فمنهم ظالم لنفسه فهذا الذي يمحص ويكشف” غريب جدا “أثر عن ابن مسعود” رضي الله عنه قال ابن جرير حدثني ابن حميد حدثنا الحكم بن بشير عن عمرو بن قيس عن عبدالله بن عيسى رضي الله عنه عن يزيد بن الحارث عن شقيق أبي وائل عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن هذه الأمة ثلاث أثلاث يوم القيامة ثلث يدخلون الجنة بغير حساب وثلث يحاسبون حسابا يسيرا وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول الله عز وجل ما هؤلاء؟ وهو أعلم تبارك وتعالى فتقول الملائكة هؤلاء جاءوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بك شيئا فيقول الرب عز وجل أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي. وتلا عبدالله رضي الله عنه هذه الآية “ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا” الآية “أثر آخر” قال أبو داود الطيالسي عن الصلت بن دينار بن الأشعث عن عقبة بن صهبان الهنائي قال سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله تعالى “ثم أورثنا الكتاب الذين اصفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه” الآية فقالت لي يا بني هؤلاء في الجنة أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحياة والرزق وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم قال فجعلت نفسها رضي الله عنها معنا وهذا منها رضي الله عنها من باب الهضم والتواضع وإلا فهي من أكبر السابقين بالخيرات لأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام وقال عبدالله بن المبارك رحمه الله قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في قوله تبارك وتعالى “فمنهم ظالم لنفسه” قال: هي لأهل بدونا ومقتصدنا أهل حضرنا وسابقنا أهل الجهاد رواه ابن أبي حاتم. وقال عوف الأعرابي حدثنا عبدالله بن الحارث بن نوفل قال حدثنا كعب الأحبار رحمة الله عليه قال: إن الظالم لنفسه من هذه الأمة والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة ألم تر أن الله تعالى قال “ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها – إلى قوله عز وجل – والذين كفروا لهم نار جهنم” قال فهؤلاء أهل النار رواه ابن جرير من طرق عن عوف به. ثم قال حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية أخبرنا حميد عن إسحاق بن عبدالله بن الحارث عن أبيه قال إن ابن عباس رضي الله عنهما سأل كعبا عن قوله تعالى: “ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا – إلى قوله – بإذن الله” قال تماست مناكبهم ورب كعب ثم أعطوا الفضل بأعمالهم ثم قال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا الحكم بن بشير حدثنا عمرو بن قيس عن أبي إسحاق السبيعي في هذه الآية “ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا” الآية قال أبو إسحاق أما ما سمعت من ذي ستين سنة فكلهم ناج ثم قال حدثنا ابن حميد حدثنا الحكم حدثنا عمرو عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه قال إنها أمة مرحومة الظالم مغفور له والمقتصد في الجنان عند الله والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله. ورواه الثوري عن إسماعيل بن سميع عن رجل عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه بنحوه. وقال أبو الجارود: سألت محمد بن علي – يعني الباقر- رضي الله عنهما عن قول الله تعالى “فمنهم ظالم لنفسه” فقال هو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا. فهذا ما تيسر من إيراد الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا المقام. وإذا تقرر هذا فإن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة في هذه الأمة فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة وأولى الناس بهذه الرحمة فإنهم كما قال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا محمد بن يزيد حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة عن قيس بن كثير قال قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء رضي الله عنه وهو بدمشق فقال ما أقدمك أي أخي؟ قال حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما قدمت لتجارة؟ قال لا قال أما قدمت لحاجة قال لا قال أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال نعم قال رضي الله عنه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “من سلك طريقا يطلب فيها علما سلك الله تعالى به طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإنه ليستغفر للعالم من في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب إن العلماء هم ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر” وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث كثير بن قيس ومنهم من يقول قيس بن كثير عن أبي الدرداء رضي الله عنه وقد ذكرنا طرقه واختلاف الرواة فيه في شرح كتاب العلم من صحيح البخاري ولله الحمد والمنة وقد تقدم في أول سورة طه حديث ثعلبة بن الحكم رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “يقول الله تعالى يوم القيامة للعلماء إنى لم أضع علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالى.”

قال القرطبي :
_ ثم أورثنا الكتاب
أي أعطينا. والميراث, عطاء حقيقة أو مجازا; فإنه يقال فيما صار للإنسان بعد موت آخر. و”الكتاب” ها هنا يريد به معاني الكتاب وعلمه وأحكامه وعقائده, وكأن الله تعالى لما أعطى أمة محمد صلى القرآن, وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة, فكأنه ورث أمة محمد عليه السلام الكتاب الذي كان في الأمم قبلنا.

_ الذين اصطفينا
أي اخترنا. واشتقاقه من الصفو, وهو الخلوص من شوائب الكدر. وأصله اصتفونا, فأبدلت التاء طاء والواو ياء.

_ من عبادنا
قيل المراد أمة محمد صلى الله عليه وسلم, قال أبن عباس وغيره. وكان اللفظ يحتمل جميع المؤمنين من كل أمة, إلا أن عباره توريث الكتاب لم تكن إلا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم, وورث سليمان يرثوه. وقيل: المصطفون الأنبياء, توارثوا الكتاب بمعنى أنه انتقل عن بعضهم إلى آخر, قال الله تعالى: “وورث سليمان داود” [النمل: 16], وقال: “يرثني ويرث من آل يعقوب” [مريم: 6] فإذا جاز أن تكون النبوة موروثة فكذلك الكتاب.

_ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله
هذه الآية مشكلة; لأنه قال جل وعز: “اصطفينا من عبادنا” ثم قال: “فمنهم ظالم لنفسه” وقد تكلم العلماء فيها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قال النحاس: فإن أصح ما روي في ذلك ما روي عن أبن عباس “فمنهم ظالم لنفسه” قال: الكافر; رواه أبن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن أبن عباس أيضا. وعن ابن عباس أيضا “فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات” قال: نجت فرقتان, ويكون التقدير في العربية: فمنهم من عبادنا ظالم لنفسه; أي كافر. وقال الحسن: أي فاسق. ويكون الضمير الذي في “يدخلونها” يعود على المقتصد والسابق لا على الظالم. وعن عكرمة وقتادة والضحاك والفراء أن المقتصد المؤمن العاصي, والسابق التقي على الإطلاق. قالوا: وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة الواقعة “وكنتم أزواجا ثلاثة” [الواقعة: 7] الآية. قالوا وبعيد أن يكون ممن يصطفي ظالم. ورواه مجاهد عن أبن عباس. قال مجاهد: “فمنهم ظالم لنفسه” أصحاب المشاهدة, “ومنهم مقتصد” أصحاب الميمنة, “ومنهم سابق بالخيرات” السابقون من الناس كلهم. وقيل: الضمير في “يدخلونها” يعود على الثلاثة الأصناف, على ألا يكون الظالم ها هنا كافرا ولا فاسقا. وممن روي عنه هذا القول عمر وعثمان وأبو الدرداء, وأبن مسعود وعقبة بن عمرو ومنة, والتقدير على هذا القول: أن يكون الظالم لنفسه الذي عمل الصغائر. و”المقتصد” قال محمد بن يزيد: هو الذي يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها; فيكون “جنات عدن يدخلونها” عائدا على الجميع على هذا الشرح والتبيين; وروي عن أبي سعيد الخدري. وقال كعب الأحبار: استوت مناكبهم ورب الكعبة وتفاضلوا بأعمالهم. وقال أبو إسحاق السبيعي: أما الذي سمعت منذ ستين سنة فكلهم ناج. وروى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: (كلهم في الجنة). وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآية ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سابقنا سابق ومقصدنا ناج وظالمنا مغفور له). فعلى هذا القول يقدر مفعول الاصطفاء من قوله: “أورثنا الكتاب الذين أصطفينا من عبادنا” مضافا حذف كما حذف المضاف في “واسأل القرية” [يوسف: 82] أي اصطفينا دينهم فبقى اصطفيناهم; فحذف العائد إلى الموصول كما حذف في قول: “ولا أقول للذين تزدري أعينكم” [هود: 31] أي تزدريهم, فالاصطفاء إذا موجه إلى دينهم, كما قال تعالى: “إن الله اصطفى لكم الدين” [البقرة: 132]. قال النحاس: وقوله ثالث: يكون الظالم صاحب الكبائر, والمقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيئاته; فيكون: “جنات عدن يدخلونها” للذين سبقوا بالخيرات لا غير. وهذا قول جماعة من أهل النظر; لأن الضمير في حقيقة النظر بما يليه أولى.
قلت: القول الوسط أولاها وأصحها إن شاء الله; لأن الكافر والمنافق لم يصطفوا بحمد الله, ولا اصطفى دينهم. وهذا قول ستة من الصحابة, وحسبك. وسنزيده بيانا وإيضاحا في باقي الآية.
“فمنهم ظالم لنفسه” من وقع في صغيرة. قال, أبن عطية: وهذا قول مردود من غير ما وجه. قال الضحاك: معنى “فمنهم ظالم لنفسه” أي من ذريتهم ظالم لنفسه وهو المشرك. الحسن: من أممهم, على ما تقدم ذكره من الخلاف في الظالم. والآية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقد أختلفت عبارات أرباب القلوب في الظالم والمقتصد والسابق, فقال سهل بن عبد الله: السابق العالم, والمقتصد المعلم, والظالم الجاهل. وقال ذو النون المصري: الظالم الذاكر الله بلسانه فقط, والمقتصد الذاكر بقلبه, والسابق الذي لا ينساه. وقال الأنطاكي: الظالم صاحب الأقوال, والمقتصد صاحب الأفعال, والسابق صاحب الأحوال. وقال أبن عطاء: الظالم الذي يحب الله من أجل الدنيا, والمقتصد الذي يحبه من أجل العقبى, والسابق الذي أسقط مراده بمراد الحق. وقيل: الظالم الذي يعبد الله خوفا من النار, والمقتصد الذي يعبد الله طمعا في الجنة, والسابق الذي يعبد الله لوجهه لا لسبب. وقيل: الظالم الزاهد في الدنيا, لأنه ظلم نفسه فترك لها حظا وهي المعرفة والمحبة, والمقتصد العارف, والسابق المحب. وقيل: الظالم الذي يجزع عند البلاء, والمقتصد الصابر على البلاء, والسابق المتلذذ بالبلاء. وقيل: الظالم الذي يعبد الله على الغفلة والعادة, والمقتصد الذي يعبده على الرغبة والرهبة, والسابق الذي يعبده على الهيبة. وقيل: الظالم الذي أعطي فمنع, والمقتصد الذي أعطي فبذل, والسابق الذي يمنع فشكر وآثر. يروى أن عابدين التقيا فقال: كيف حال إخوانكم بالبصرة؟ قال: بخير, إن أعطوا شكروا وإن منعوا صبروا. فقال: هذه حالة الكلاب عندنا ببلخ! عبادنا إن منعوا شكروا وإن أعطوا أثروا. وقيل: الظالم من استغنى بماله, والمقتصد من أستغنى بدينه, والسابق من أستغنى بربه. وقيل: الظالم التالي للقرآن ولا يعمل به, والمقتصد التالي للقرآن ويعمل به, والسابق القارئ للقرآن العامل به والعالم به. وقيل: السابق الذي يدخل المسجد قبل تأذين المؤذن, والمقتصد الذي يدخل المسجد وقد أذن, والظالم الذي يدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة; لأنه ظلم نفسه الأجر فلم يحصل لها ما حصله غيره. وقال بعض أهل المسجد في هذا: بل السابق الذي يدرك الوقت والجماعة فيدرك الفضيلتين, والمقتصد الذي إن فاتته الجماعة لم يفرط في الوقت, والظالم الغافل عن الصلاة حتى يفوت الوقت والجماعة, فهو أولى بالظلم. وقيل: الظالم الذي يحب نفسه, والمقتصد الذي يحب دينه, والسابق الذي يحب ربه. وقيل: الظالم الذي ينتصف ولا ينصف, والمقتصد الذي ينتصف وينصف, والسابق الذي ينصف ولا ينصف. وقالت عائشة رضي الله عنها: السابق الذي أسلم قبل الهجرة, والمقتصد من أسلم بعد الهجرة, والظالم من لم يسلم إلا بالسيف; وهم كلهم مغفور لهم. قلت: ذكر هذه الأقوال وزيادة عليها الثعلبي في تفسيره. وبالجملة فهم طرفان وواسطة, وهو المقتصد الملازم للقصد وهو ترك الميل; ومنه قول جابر بن حني الثعلبي:
نعاطي الملوك السلم ما قصدوا لنا وليس علينا قتلهم بمحرم
أي نعاطيهم الصلح ما ركبوا بنا القصد, أي ما لم يجوروا, وليس قتلهم بمحرم علينا إن جاروا; فلذلك كان المقتصد منزلة بين المنزلتين, فهو فوق الظالم لنفسه ودون السابق بالخيرات.
وتكلم الناس في تقديم الظالم على المقتصد والسابق فقيل: التقدير في الذكر لا يقتضي تشريفا; كقوله تعالى: “لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة” [الحشر: 20]. وقيل: قدم الظالم لكثرة الفاسقين منهم وغلبتهم وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم, والسابقين أقل من القليل; ذكره الزمخشري ولم يذكره غيره وقيل: قدم الظالم لتأكيد الرجاء في حقه, إذ ليس له شيء يتكل عليه إلا رحمة ربه. واتكل المقتصد على حسن ظنه, والسابق على طاعته. وقيل: قدم الظالم لئلا ييأس من رحمة الله, وأخر السابق لئلا يعجب بعمله. وقال جعفر بن محمد بن علي الصادق رضي الله عنه: قدم الظالم ليدبر أنه لا يتقرب إليه إلا بصرف رحمته وكرمه, وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفائية إذا كانت ثم عناية, ثم ثنى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء, ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكر الله, وكلهم في الجنة بحرمة كلمة الإخلاص: “لا إله إلا الله محمد رسول الله”. وقال محمد بن علي الترمذي: جمعهم في الاصطفاء إزالة للعلل عن العطاء; لأن الاصطفاء يوجب الإرث, لا الإرث يوجب الاصطفاء, ولذلك قيل في الحكمة: صحح النسبة ثم النسبة ادع في الميراث. وقيل: أخر السابق ليكون أقرب إلى الجنات والثواب, كما قدم الصوامع والبيع في سورة الحج” على المساجد, لتكون الصوامع أقرب إلى الهدم والخراب, وتكون المساجد أقرب إلى ذكر الله. وقيل: إن الملوك إذا أرادوا الجمع بين الأشياء بالذكر قدموا الأدنى; كقوله تعالى: “لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم” الأعراف: 167], وقوله: “يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور” [الشورى: 49], وقوله: “لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة” [الحشر: 20] قلت: ولقد أحسن من قال:
وغاية هذا الجود أنت وإنما يوافي إلى الغايات في آخر الأمر

_ ذلك هو الفضل الكبير
يعني إتياننا الكتاب لهم. وقيل: ذلك الاصطفاء مع علمنا بعيوبهم هو الفضل الكبير. وقيل: وعد الجنة لهؤلاء الثلاث فضل كبير.

Tinggalkan Balasan

Isikan data di bawah atau klik salah satu ikon untuk log in:

Logo WordPress.com

You are commenting using your WordPress.com account. Logout / Ubah )

Gambar Twitter

You are commenting using your Twitter account. Logout / Ubah )

Foto Facebook

You are commenting using your Facebook account. Logout / Ubah )

Foto Google+

You are commenting using your Google+ account. Logout / Ubah )

Connecting to %s